21 - 02 - 2026

ملامح | 15 مارس.. افتتاح مشاريع ترامب أم انفجار المنطقة؟

ملامح | 15 مارس.. افتتاح مشاريع ترامب أم انفجار المنطقة؟

تشتعل حرب التصريحات بين طهران وواشنطن، ومعها تتصاعد لغة الحرب، خاصة بعدما قال ترامب (يوم الجمعة 20 فبراير 2026) "إنه يفكر في توجيه ضربة محدودة لإيران للضغط عليها من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي"، بالتزامن مع التصريح الترامبي نقلت صحيفة بوليتيكو الأمريكية عن مصدر عسكري أمريكي أن جميع القوات الأمريكية ستكون في مواقعها بالمنطقة بحلول 15 مارس، وأن أي عملية عسكرية أمريكية في إيران ستشمل البرنامجين النووي والصاروخي،  ولم يفت إسرائيل أن تدلي بدلوها في تصريحات الحرب، التي يدفع النتن ياهو ترامب لخوضها، حيث ذكرت هيئة البث الإسرائيلية "أن العملية العسكرية في إيران مسألة وقت"، فيما نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين أمريكيين قولهما " إن التخطيط العسكري الأمريكي بشأن إيران بلغ مراحل متقدمة للغاية مع خيارات تتراوح بين استهداف أفراد والسعي إلى تغيير النظام إذا أمر ترامب".

يأتي ذلك في الوقت الذي تجرى فيه المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني، وهو ذات الوقت الذي أكد فيه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لنظيره الروسي "جدية طهران في المضي بمباحثات البرنامج النووي للتوصل لاتفاق عادل ومتوازن، وأن مسودة الاتفاق النووي ستكون جاهزة خلال يومين أو ثلاثة". وذلك يذكرنا بحرب الـ 12 يوما التي وقعت بينما كان المفاوضون الإيرانيون والأمريكان يتفاوضون على طاولة العاصمة العُمانية مسقط.

من الواضح أن تصريحات ترامب في اليوم الواحد، وربما في خطاب واحد، تحمل تناقضاً، ففي الوقت الذي يهدد فيه بتوجيه ضربة قاصمة لإيران ونظامها، نجده يقول "من الأفضل لإيران أن تتفاوض على صفقة عادلة".. كما قال لنتنياهو من قبل خلال زيارته لواشنطن "إنه يصر على التفاوض وإبرام صفقة"، وبالتزامن مع تصريحات ترامب تتناقل وسائل الإعلام الأمريكية تصريحات منسوبة لمصادر بالبيت الأبيض ومسؤولين عسكريين مجهولين، وربما يكون المصدر هو ترامب، كما حدث خلال حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني بقطاع غزة وكشفت وسائل الإعلام العبرية أن المصدر المجهول هو نتنياهو.

** أضربوني أضربكم

ويبدو أن ترامب يرغب في ضربة محدودة متفق عليها مسبقاً، لتأكيد وجهة نظره بأن الضغط العسكري يولد السلام، وأيضاَ لإرضاء اليمين الصهيوني المتطرف، أو الدولة العميقة في أمريكا وإسرائيل. وفي ذلك السياق كشف النائب الإيراني محمود نبويان (يوم الأحد 8 فبراير 2026) عن إرسال ترامب رسالة لطهران قبل انطلاق المفاوضات النووية في العاصمة العمانية مسقط، اقترح خلالها أن ينفذ هجوما محدوداً ضد إيران ويمكن للأخيرة أن ترد عليه، ووفقاً لنبويان رسالة ترامب قالت "دعوني أضرب موقعين داخل إيران، وأنتم تردون".. وكانت مصادر مقربة من النظام الإيراني أوضحت أن البعض اختار توجيه ضربة للقواعد الأمريكية في الإمارات والبحرين والأردن، لكن الرد الإيراني وفقاً لتصريحات النائب نبويان ردت طهران "إذا ارتكبتم خطأ، فسنقتل ثلاثة أو أربعة آلاف منكم"، وتم تكليف وزير الخارجية عباس عراقجي بأن يبلغ زملاءه في المنطقة أننا سنضرب كل قاعدة أمريكية بالمنطقة، والذي أكد في تصريح صحفي (يوم السبت 7 فبراير 2026) أن إيران ستضرب القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط إذا تعرضت لهجوم من القوات الأمريكية التي جرى حشدها في المنطقة، مشدداً على أن هذا لا يعد هجوماً على الدول التي تستضيف هذه القواعد.. وبالتزامن مع تلك الرسالة والتصريحات رفع في ميدان فلسطين بالعاصمة الإيرانية طهران لافتة تتضمن خريطة الأهداف المحتملة في تل أبيب، كتب عليها باللغة العبرية " أنتم تبدأون.. ونحن ننهيها".

وتزامناً مع تصريحات عراقجي، ورسالة ترامب التي كشف عنها النائب الإيراني محمود نبويان، أكد سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، مايك هاكابي، في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز" أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهتم فعلاً بالتوصل إلى تسوية سلمية للخلافات مع إيران، ولم يؤكد السفير الأمريكي حتمية شنّ الولايات المتحدة ضربات عسكرية على إيران، قائلاً "لست على دراية بأي حتمية لشن ضربات".. فيما قال ترامب "أجرينا محادثات جيدة جداً بشأن إيران.. ويبدو أنها تريد إبرام اتفاق بشدة.. علينا أن نرى طبيعة هذا الاتفاق، لكنني أعتقد أنهم يرغبون فعلاً في التوصل إلى صفقة، وهذا ما ينبغي عليهم فعله".

ورغم تضارب تصريحات ترامب ومعاونيه، في المقابل تقف تصريحات طهران عند رؤية واحدة التفاوض بشأن الملف النووي فقط، مقابل رفع الحصار الاقتصادي، والصواريخ الباليستية والمسيرات ليست للتفاوض وهي خط أحمر، وأي ضربة، حتى لو كانت محدودة سيتم الرد عليها بحرب شاملة، وقد وضح ذلك في تصريحات المرشد الأعلى علي خامنئي (يوم الثلاثاء 17 فبراير 2026) التي هدد فيها بإغراق حاملات الطائرات الأمريكية في قاع البحر قائلا: "أخطر من حاملة الطائرات هو السلاح الذي يمكن أن يرسلها إلى أعماق البحر".. وقال "إن أقوى جيش في العالم قد يتعرض أحيانًا لضربة قاصمة لا يقوى على النهوض بعدها".. فيما أوضحت رويترز نقلا عن المسؤولين العسكريين أن الخيارات العسكرية هي أحدث المؤشرات على أن الولايات المتحدة تستعد لخوض صراع خطير مع إيران في حالة فشل الجهود الدبلوماسية.

*** كلمة السر.. غزة  

وتعد هذه هي الإجابة على السؤال المطروح على وسائل الإعلام ويبحث عن إجابة واضحة وصريحة، هل هناك حرب (؟) والإجابات مترنحة..

الواضح أن ترامب لا يريد حرباً مع إيران لأنها ستكون مكلفة، وستهين أقوى جيش في العالم، كما أن التسريبات الواردة من طهران تشير إلى أن المناورات العسكرية البحرية مع الصين وروسيا، كانت غطاءً لإدخال معدات عسكرية داخل الأراضي الإيرانية، ونشر قطع بحرية صينية وروسية تكشف القوات الأمريكية بالمنطقة، مما يمنح الإيراني فرصة كبرى لتحديد أهدافه وإلحاق خسائر بالجيش الأمريكي.

أمر أخر، أن ترامب يريد تهدئة لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى عبر مشروعاته الاقتصادية في غزة، وجنوبي سوريا ولبنان، مع فرض طوق اقتصادي حولها من خلال الممر التجاري "الهند ـ حيفا" والذي سيمر بالإمارات والسعودية والأردن وسوريا، التي ستكون ترانزيت للموانئ الإسرائيلية، لذلك يرغب ترامب في إغراء طهران (سواء بالضغط العسكري أو بالمفاوضات) لإبرام صفقة برفع العقوبات مقابل تحجيم المقاومة المنحنية للعاصفة حالياً، بإيعاز مصري بأن المقاومة المسلحة في ظل الدعم العسكري الأمريكي "انتحار"، وتبريد الجبهات وهو ما تريده مصر وإيران والمقاومة في الوقت الحالي.

ترامب يريد التهدئة لا إشعال الحرب مع إيران، لأنها ستكون حربا إقليمية واسعة بمشاركة فصائل المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن والكامنة في سوريا، وهو ما يعني التأثير على ممرات الطاقة، وخسائر اقتصادية أمريكية لتوقف المد المالي الخليجي الذي سيتأثر بالحرب، إضافة إلى أن استمرار المناوشات دون حرب شاملة، هو استنزاف طويل الأمد لجميع الأطراف مما يهدد مشروعات حلم إسرائيل الكبرى اقتصادياً.

الأهم أن ترامب يعلم جيداً (بكل تأكيد) أن الثلاثي الصلب (مصر وإيران والمقاومة) لن يقبل بمشروعات ترامب الاقتصادية لأن ذلك يقتل حلم الدولة الفلسطينية، وأن المواجهة قادمة معهم عند الشروع في بدء تنفيذ "ريفييرا غزة" الذي يتعارض مع الخطة المصرية لإعادة إعمار القطاع، لذلك كان تمركز القوات الأمريكية في المنطقة هو إعادة تموضع لحماية مشروعات ترامب الاقتصادية لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى اقتصادياً، ورسالة تهديد للثلاثي الصلب.

حرب أو لا حرب، ومراوغات وتهديد ووعيد عبر وسائل الإعلام، مقابل صفقة تطبخ في مطابخ واشنطن وطهران والقاهرة ومسقط والدوحة، وربما الرياض التي لا صوت لها هذه الأيام.. والمقاومة في انتظار إشارة البدء، ونقطة الانطلاق، وكلمة السر، ستكون إعادة إعمار غزة.  

والخلاصة، من الواضح أن الضربة المحدودة التي يلوح بها ترامب هي "تكتيك تجاري" بحت لإجبار إيران للتوقيع على المسودة التي أعلنها عراقجي وليس رغبة في حرب شاملة.. والقاهرة تدرك أن الحشود العسكرية الأمريكية هي غطاء أمني لفرض واقع استثماري في غزة، لذا فهي تصر على أن يكون الإعمار بيد فلسطينية، وتضغط لبدء عمل لجنة التكنوقراط من داخل القطاع، لقطع الطريق على تحويله لـ "كانتون ترامبي"..

على كل بحلول 15 مارس 2026، الموافق 25 رمضان 1447، الموعد الذي حدده البنتاجون لاكتمال التموضع، سنعرف ما إذا كان العالم أمام 'افتتاح كبير' لمشاريع ترامب، أم أمام 'انفجار كبير' يعيد رسم حدود المنطقة بالدم لا بالشيكات.. ورمضان هذا العام قد يكون هو الهدوء الذي يسبق إحدى هاتين العاصفتين.
-------------------------------
بقلم: محمد الضبع


مقالات اخرى للكاتب

ملامح | 15 مارس.. افتتاح مشاريع ترامب أم انفجار المنطقة؟